فصل: ليلة الأربعاء ثالث عشرينه خرج عدة كبيرة من العسكر

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ الجبرتي المسمى بـ «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» **


 ليلة الأربعاء ثالث عشرينه خرج عدة كبيرة من العسكر

وطلب كبير الفرنساوية بونابارته أن يأخذ معه مصطفى بك كتخدا الباشا المتولي أمير الحاج ويأخذ أيضًا قاضي العسكر بجمقشي زاده وأربعة أنفار من المتعممين وهم الفيومي والصاوي والعريشي والدواخلي وجماعة أيضًا من التجار والوجاقلية ونصارى القبط والشوام‏.‏

وفي سادس عشرينه نادوا للناس بالأمان وفتح الأسواق ليلًا في رمضان حكم المعتاد‏.‏

وفيه انتقل قائمقام من بيته المطل على بركة الفيل وهو بيت ابراهيم بك الوالي وسكن بيت أيوب بك الكبير المطل على بركة الفيل وانتقلوا جميعهم الى بركة الأزبكية‏.‏

وفيه أعرض حسن آغا محرم المحتسب لساري عسكر أمر ركوبه المعتاد لإثبات هلال رمضان فرسم له بذلك على العادة القديمة فاحتفل لذلك المحتسب احتفالًا زائدًا وعمل وليمة عظيمة في بيته أربعة أيام أولها السبت وآخرها الثلاثاء دعا في أول يوم العلماء والفقهاء والمشايخ والوجاقلية وغيرهم وفي ثاني يوم التجار والأعيان وكذلك ثالث يوم ورابع يوم دعا أيضًا أكابر الفرنساوية وأصاغرهم وركب يوم الثلاثاء بالأبهة الكاملة زيادة عن العادة وأمامه مشايخ الحرف بطبولهم وزمورهم وشق القاهرة على الرسم المعتاد ومر على قائمقام وأمير الحاج وساري عسكر بونابارته ثم رجع بعد الغروب الى بيت القاضي بين القصرين فأثبتوا هلال رمضان ليلة الأربعاء ثم ركب من هناك بالموكب وأمامه المشاعل الكثيرة والطبول والزمور والنقاقير والمناداة بالصوم وخلفه عدة خيالة عارية رؤوسهم وشعورهم مرخية على أقفيتهم بشكل بشيع مهول وانقضى شهر شعبان وحوادثه‏.‏

فمنها أن أهل مصر جروا على عادتهم في بدعهم التي كانوا عليها وانكمشوا عن بعضها واحتشموها خوفًا من الفرنسيس فلما تدرجوا فيها وأطلق لهم الفرنساوية القيد ورخصوا لهم وسايروهم رجعوا إليها وانهمكوا في عمل مواليد الأضرحة التي يرون فرضيتها وأنها قربة تنجيهم بزعمهم من المهالك وتقربهم الى الله زلفى في المسالك فرمحوا في غفلاتهم مع ما هم فيه من الأسر وكساد غالب البضائع وغلوها وانقطاع الأخبار ومنع الجالب ووقوف الانكليز في البحر وشدة حجزهم على الصادر والوارد حتى غلت أسعار جميع الأصناف المجلوبة من البحر الرومي وانقطع أثر كثير من أرباب الصنائع التي كسدت لعدم طلابها واحتاجوا الى التكسب بالحرف الدنيئة كبيع الفطير وقلي السمك وطبخ الأطعمة والمأكولات والأكل في الدكاكين وإحداث عدة قهاوي وأما أرباب الحرف الدنيئة الكاسدة فأكثرهم عمل حمارًا مكاريًا حتى صارت الأزقة خصوصًا جهات العسكر مزدحمة بالحمير التي تكرى للتردد في شوارع مصر فإن للفرنسيس بذلك عناية عظيمة ومغالاة في الأجرة بحيث أن الكثير منهم يظل طول النهار فوق ظهر الحمار بدون حاجة سوى أن يجري به مسرعًا في الشارع وكذلك تجتمع الباعة منهم ويركبون الحمير ويجهدونها في المشي والإسراع وهم يغنون ويضحكون ويصيحون ويتمسخرون ويشاركهم المكارية في ذلك كما أن لهم العناية وبذل الأموال والتردد الى حانات الراح والتغالي في شراء الفواكه والبوأطي والأقداح‏.‏

ومن طبعهم في الشرب أنهم يتعاطون لحد النشوة وترويح النفس فإن زادوا عن ذلك الحد لا يخرجون من منازلهم ومن سكر وخرج الي السوق ووقع منه أمر مخل عاقبوه وعزروه‏.‏

ومنها ترفع أسافل النصارى من القبط والشوام والأروام واليهود وركوبهم الخيول وتقلدهم بالسيوف بسبب خدمتهم للفرنسيس ومشيهم الخيلاء وتجاهرهم بفاحش القول واستذلالهم المسلمين كل ذلك بما كسبت أيديهم وما ربك بظلام للعبيد والحال الحال والمركوز في الطبع مازال والبعض استهوته الشياطين ومرق والعياذ بالله من الدين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم‏.‏

ومنها تواتر الأخبار من ابتداء شهر رجب بأن رجلًا مغربيًا يقال له الشيخ الكيلاني كان مجاورًا بمكة والمدينة والطائف فلما وردت أخبار الفرنسيس الى الحجاز وأنهم ملكوا الديار المصرية انزعج أهل الحجاز ويدعوهم الى الجهاد ويحضرهم على نصرة الحق والدين وقرأ بالحرم كتابًا مؤلفًا في معنى ذلك فاتعظ جملة من الناس وبذلوا أموالهم وأنفسهم واجتمع نحو الستمائة من المجاهدين وركبوا البحر الى القصير مع ما انضم إليهم من أهل ينبع وخلافه‏.‏

فورد الخبر في أواخره أنه انضم إليهم جملة من أهل الصعيد وبعض أتراك ومغاربة ممن كان خرج معهم مع غز مصر عند وقعة انبابة وركب الغز معهم أيضًا وحاربوا الفرنسيس فلم تثبت الغز كعادتهم وانهزموا وتبعهم هوارة الصعيد والمتجمعة من القرى وثبت الحجازيون ثم انكفوا لقلتهم وذكلك بناحية جرجا وهرب الغز والمماليك الى ناحية اسنا وصحبتهم حسن بك الجداوي وعثمان بك حسن تابعه ووقع بين أهل الحجاز والفرنسيس بعض حروب غير هذه المرة بعدة مواضع وينفصل الفريقان بدون طائل‏.‏

ومنها أن الفرنسيس عملوا كرنتيلة بجزيرة بولاق وبنوا هناك بناء فيحجزون بها القادمين من السفار أيامًا معدودة كل جهة من الجهات القبلية لذلك وضجوا بالحرم وجردوا الكعبة وأن هذا الشيخ صار يعظ الناس والبحرية بحسبها والله أعلم‏.‏

ثم استهل شهر رمضان المعظم بيوم الأربعاء سنة 1213‏.‏

فيه أخذ بونابارته في الاهتمام بالسفر الى جهة الشام وجهزوا طلبًا كثيرًا وصاروا في كل يوم يخرج منه طائفة بعد طائفة‏.‏

وفي يوم السبت عمل ساري عسكر ديوانًا وأحضر المشايخ والوجاقات وتكلم معهم في أمر خروجه للسفر وأنهم قتلوا المماليك الفارين بالصعيد وأجلوا باقيهم الى أقصى الصعيد وأنهم متوجهون الى الفرقة الأخرى بناحية غزة فيقطعونهم ويمهدون البلاد الشامية لأجل سلوك الطريق ومشي القوافل والتجارات برًا وبحرًا لعمار القطر وصلاح الأحوال وأننا نغيب عنكم شهرًا ثم نعود وعند عودنا نرتب النظام في البلاد والشرائع وغير ذلك فعليكم ضبط البلد والرعية في مدة غيابنا ونبهوا مشايخ الأخطاط والحارات كل كبير يضبط طائفته خوفًا من الفتن مع العسكر المقيمين بمصر فالتزموا له بذلك وكتبوا له أوراقًا مطبوعة على العادة في معنى ذلك وألصقوها بالطرق وفي ذلك اليوم خرج القاضي ومصطفى كتخدا الباشا والمشايخ المعينون للسفر الى جهة العادلية وخرج أيضًا عدة كبيرة من عسكرهم ومعهم أحمال كثيرة حتى الأسرة والفرش والحصر وعدة مواهي ومحفات للنساء والجواري البيض والسود والحبوش اللاتي أخذوها من بيت الأمراء وتزيا أكثرهن بزي نسائهم الإفرنجيات وغير ذلك‏.‏

وفي يوم الأحد خامسه ركب ساري عسكر الفرنسيس وخرج أيضًا الى العادلية وذلك في الساعة الرابعة بطالع الحمل وفيه القمر في تربيع زحل وأبقى بمصر عدة من العسكر بالقلعة والأبراج التي بنوها على التلول وقائمقام وبوسليك وساري عسكر ويزه بجملة من العسكر في الصعيد وكذلك سواري عسكر الأقاليم كل واحد معه عسكر في جهة من الجهات وأخذ معه المديرين وأصحاب المشورة والمترجمين وأرباب الصنائع منهم كالحدادين والنجارين ومهندسي الحروب وكبيرهم أبو خشبة بمصر ثم تراسل المتخلفون في الخروج كل يوم تخرج منهم جماعة‏.‏

وفي يوم الثلاثاء سابعه انتدب للنميمة ثلاثة من النصارى الشوام وعرفوهم أن المسلمين قاصدون الوثوب على الفرنسيس في يوم الخميس تاسعه فأرسل قائمقام خلف المهدي والآغا فأحضرهما وذكر لهما ذلك فقالا له‏:‏ هذا كذب لا أصل له وإنما هذه نميمة من النصارى كراهة منهم في المسلمين ففحص عمن اختلق ذلك فوجدهم ثلاثة من النصارى الشوام فقبضوا عليهم وسجنوهم بالقلعة حتى مضى يوم الخميس فلم يظهر صحة ما نقلوه فأبقاهم في الاعتقال ثم أن نصارى الشوام رجعوا الى عادتهم القديمة في لبس العمائم السود والزرق وتركوا لبس العمائم البيض والشيلان الكشميري الملونة والمشجرات وذلك بمنع الفرنسيس لهم من ذلك ونبهوا أيضًا بالمناداة في أول رمضان بأن نصارى البلد يمشون على عادتهم مع المسلمين أولًا ولا يتجاهرون بالأكل ولا يشربون الدخان ولا شيئًا من ذلك بمرأى منهم كل ذلك لاستجلاب خواطر الرعية حتى أن بعض الرعية من الفقهاء مر على بعض النصارى وهو يشرب الدخان فانتهزه فرد عليه ردًا شنيعًا فنزل ذلك المتعمم وضرب النصراني واجتمع عليه الناس وحضر حاكم الخطة فرفعهما الى قائمقام فسأل من النصارى الحاضرين عن عادتهم في ذلك فأخبروه أن من عادتهم القديمة أنه إذا استهل شهر رمضان لا يأكلون ولا يأكلون في الأسواق ولا بمرأى من المسلمين أبدًا فضرب النصراني وترك المتعمم لسبيله‏.‏

وفي تاسع عشرينه أحضروا مراد آغا تابع سليمان بك الآغا ومعه آخر من الأجناد من ناحية قبلي فأصعدوهما القلعة قبل قتلهما‏.‏

وفي خامس عشرينه ورد الخبر بأن الفرنساوية ملكوا قلعة العريش وطاف رجل من أتباع الشرطة ينادي في الأسواق أن الفرنساوية ملكوا قلعة العريش وأسروا عدة من المماليك وفي غد يعملون شكنًا ويضربون مدافع فإذا سمعتم ذلك فلا تفزعوا فلما أصبح يوم الأحد حضر المماليك المذكورة وهم ثمانية عشر مملوكًا وأربعة من الكشاف وهم راكبون الحمير ومتقلدون بأسلحتهم ومعهم نحو المائة من عسكر الفرنسيس وأمامهم طبلهم وخرج بعض الناس فشاهدهم ولما وصلوا الى خارج القاهرة حيث الجامع الظاهري خرج الآغا وبرطلمين بطوافيهما ينتظرانهم ومعهم طبول وبيارق وطوائف ومشوا معهم الى الأزبكية من الطريق التي أحدثوها ودخلوا بهم الى بيت قائمقام فأخذوا سلاحهم وأطلقوهم فذهبوا الى بيوتهم وفيهم أحمد كاشف تابع عثمان بك الأشقر وآخر يقال له حسن كاشف الدويدار وكاشفان آخران وهما يوسف كاشف الرومي واسمعيل كاشف تابع أحمد كاشف المذكور وكان من خبرهم أنهم كانوا مقيمين بقلعة العريش وصحبتهم نحو ألف عسكري مغاربة وأرنؤد فحضر لهم الفرنسيس الذين كانوا في المقدمة في أواخر شعبان فأحاطوا بالقلعة وحاربوهم من داخلها ونالوا منهم ما نالوه ثم حضر إليهم ساري عسكر بجموعه بعد أيام وألحوا في حصارهم فأرسل من بالعريش الى غزة فطلب نجدة فأرسلوا لهم نحو السبعمائة وعليهم قاسم بك أمين البحرين فلم يتمكنوا من الوصول الى القلعة لتحلق الفرنساوية بها وإحاطتهم حولها فنزلوا قريبًا من القلعة فكبستهم عسكر الفررنسيس بالليل فاستشهد قاسم بك وغيره وانهزم الباقون ولم يزل أهل القلعة يحاربون ويقاتلون حتى فرغ ما عندهم من البارود والذخيرة فطلبوا عند ذلك الأمان فأمنوهم ومن القلعة أنزلوهم وذلك بعد أربعة عشر يومًا فلما نزلوا على أمانهم أرسلوهم الى مصر مع الوصية بهم وتخلية سبيلهم فحضروا الى مصر كما ذكر وأخذوا سلاحهم وخلوا سبيلهم وصاروا يترددون عليهم ويظمونهم ويلاطفونهم ويفرجونهم على صنائعهم وأحوالهم‏.‏

وأما العسكر الذين كانوا معهم بقلعة العريش فبعضهم انضاف إليهم وأعطوهم جامكية وعلوفة وجعلوهم بالقلعة مع عسكر من الفرنسيس والبعض لم يرض بذلك فأخذوا سلاحه وأطلقوهم في حال سبيلهم وذهب الفرنسيس الى ناحية غزة وفي ذلك اليوم بعد الظهر عملوا الشنك الموعود به وضربوا عدة مدافع بالقلعة والأزبكية وأظهر النصارى الفرح والسرور بالأسواق والدور وأولموا في بيوتهم الولائم وغيروا الملابس والعمائم وتجمعوا للهو والخلاعة وزادوا في القبح والشناعة‏.‏

وفي يوم الأربعاء توفي أحمد كاشف المذكور فجأة وفي عصر ذلك اليوم حضر جماعة من الفرنسيس نحو الخمسة والعشرين هم راكبون الهجن وعلى رؤوسهم عمائم بيض ولابسون برانس بيضًا على أكتافهم فذهبوا الى بيت قائمقام بالأزبكية فلما أصبح يوم الخميس عملوا الديوان وقرأوا المكاتبة التي حضرت مع الهجانة حاصلها أن الفرنسيس أخذوا غزة وخان يونس وأخبار مختلفة‏.‏

منها أنهم وجدوا ابراهيم بك ومن معه ارتحلوا من هناك وكانوا أرسلوا حريمهم وأثقالهم الى جبل نابلس وقيل بل تحاربوا معهم وانهزموا وفي ذلك اليوم بعد العصر بنحو عشرين درجة حضر عدة من الفرنسيس ومهم كبير منهم وهم راكبون الخيول وعدة من المشاة وفيهم جماعة لابسون عمائم بيضًا وجماعة أيضًا ببرانيط ومعهم نفير ينفخ فيه وبيدهم بيارق وهي التي كانت عند المسلمين على قلعة العريش الى أن وصلوا الى الجامع الأزهر فاصطفوا رجالًا وركبانًا بباب الجامع وطلبوا الشيخ الشرقاوي فسلموه تلك البيارق وأمروه برفعها ونصبها على منارات الجامع الأزهر فنصبوا بيرقين ملونين على المنارة الكبيرة ذات الهلالين عند كل هلال بيرقًا وعلى منارة أخرى بيرقًا ثالثًا وعند رفعهم ذلك ضربوا عدة مدافع من القلعة بهجة وسرورًا وكان ذلك ليلة عيد الفطر فلما كان عند الغرب ضربوا عدة مدافع أيضًا إعلامًا بالعيد وبعد العشاء الأخيرة طاف أصحاب الشرطة ونادوا بالأمان وبخروج الناس على عادتهم لزيارة القبور بالقرافتين والاجتماع لصلاة العيد وأن يلبسوا أحسن ثيابهم ولما ملكوا العريش كتبوا أوراقًا وأرسلوها الى البلاد ونصها‏:‏ فرمان عام موجه من أمير الجيوش الى أهالي الشام قاطبة‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين من طرف بونابارته أمير الجيوش الفرنساوية الى حضرة المفتين والعلماء وكافة أهالي نواحي غزة والرملة ويافا حفظهم الله تعالى بعد السلام نعرفكم أننا حررنا لكم هذه السطور نعلمكم أننا حضرنا في هذا الطرف لقصد طرد المماليك وعسكر الجزار عنكم والى أي سبب حضور عسكر الجزار وتعديه على بلاد يافا وغزة التي ما كانت من حكمه والى أي سبب أيضًا أرسل عساكره الى قلعة العريش بذلك هجم على أراضي مصر فلا شك كان مراده إجراء الحروب معنا ونحن حضرنا لنحاربه فأما أنتم يا أهالي الأطراف المشار إليها فلم نقصد لكم أذية ولا أدنى ضرر فأنتم استمروا في محلكم ووطنكم مطمئنين ومرتاحين وأخبروا من كان خارجًا عن محله ووطنه أن يرجع ويقيم في محله ووطنه ومن قبلنا عليكم ثم عليهم الأمان الكافي والحماية التامة ولا أحد يتعرض لكم في مالكم وما تملكه يدكم وقصدنا أن القضاة يلازمون خدمهم ووظائفهم على ما كانوا عليه وعلى الخصوص أن دين الإسلام لم يزل معتزًا ومعتبرًا والجوامع عامرة بالصلاة وزيارة المؤمنين‏.‏

إذ كل خير يأتي من الله تعالى وهو يعطي النصر لمن يشاء ولا يخفاكم أن جميع ما تأمر به الناس ضدنا فيغدو باطلًا ولا نفع لهم به لأن كل ما نضع به يدنا لابد من تمامه للخير والذي يتظاهر بالغدر يهلك ومن كل ما حصل تفهمون جيدًا أننا نقمع أعداءنا ونعضد من يحبنا‏.‏

وعلى الخصوص من كوننا متصفين بالرحمة والشفقة على الفقراء المساكين‏.‏

ولما أخذوا غزة أرسلوا طومارًا بصورة الواقعة وبصموه نسخًا وقرئ بالديوان وألصقوا نسخه المطبوعة بالأسواق وصورته‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم ولا عدوان إلا على الظالمين نخبر أهل مصر وأقاليمها أنه حضر فرمان مكتوب من غزة من حضرة الجنرال اسكندر يرتبه خطابًا الى حضرة ساري عسكر دوجا وكيل الجيوش بمصر يخبره فيه بأن العساكر الفرنساوية باتوا ليلة تسعة عشر شهر رمضان في خان يونس وفي فجر تلك الليلة توجهوا سائرين الى ناحية غزة فكشفوا قبل الظهر بساعة عسكر المماليك وعسكر الجزار جالسين تجاه غزة فتوجه إليهم الجنرال مرارًا مع عساكر الفرنساوية من خيالة ومشاة مراده اغتيال عسكر المماليك وعسكر الجزار فلما انتبهوا له فروا هاربين ووقع بينه وبين أطراف العساكر بعض مضاربة يسيرة لم ينجرح فيها إلا شخصان من الفرنساوية مات عسكري واحد ومات من عسكر المماليك والجزار ناس قلائل وحين تشاغل ساري عسكر مراد بالمضاربة والمقاتلة دخل حضرة ساري عسكر كلهبر الذي كان حاكمًا بالاسكندرية وكان ساكنًا بالأزبكية الى بندر غزة وملكها من غي ر معارض له ووجدوا فيها حواصل مشحونة بالذخائر من بقسماط وشعير وأربعمائة قنطار بارود واثني عشر مدفعًا وحاصلًا كبيرًا مملوءًا بالخيام الكثيرة وجللًا وبنبات مهيئات محضرات كصنعة الإفرنج هذا ما وقع لملكهم لغزة وقد أخبرناكم على ما وقع في كيفية ملك العريش سابقًا فاستقيموا عباد الله وارضوا بقضاء الله وتأدبوا في أحكام مولاكم الذي خلقكم وسواكم والسلام ختام‏.‏

وانقضى شهر رمضان ووقع به قبل ورود هذه الأخبار من السكون والطمأنينة وخلو الطرقات من العسكر وعدم مرور المتخلفين منهم إلا في النادر واختفائهم بالليل جملة كافية وانفتاح الأسواق والدكاكين والذهاب والمجيء وزيارة الإخوان ليلًا والمشي على العادة بالفوانيس ودونها واجتماع الناس للسهر في الدور والقهاوي ووقود المساجد صلاة التراويح وطواف المسحرين والتسلي بالرواية والنقول وترجي المأمول وانحلال الأسعار فيما عدا المجلوبات من الأقطار‏.‏

ومنها أن الفرنساوية صاروا يدعون أعيان الناس والمشايخ والتجار للإفطار والسحور ويعملون لهم الولائم ويقدمون لهم الموائد على نظام المسلمين وعادتهم ويتولى أمر ذلك الطباخون والفراشون من المسلمين تطمينًا لخواطرهم ويذهبون هم أيضًا ويحضرون عندهم الموائد ويأكلون معهم في وقت الإفطار ويشاهدون ترتيبهم ونظامهم ويحذون حذوهم ووقع منهم من المسايررة للناس وخفض الجانب ما يتعجب منه والله أعلم‏.‏

شهر شوال سنة 1213 استهل بيوم الجمعة وفي صبح ذلك اليوم ضربوا عدة مدافع لشنك العيد واجتمع الناس لصلاة العيد في المساجد والأزهر واتفق أن إمام الجامع الأزهر نسي قراءة الفاتحة في الركعة الثانية فلما سلم أعاد الصلاة بعدما شنع عليه الجماعة وخرج الرجال والنساء لزيارة القبور‏.‏

فانتبذ بعض الحرافيش نواحي تربة باب النصر وأسرع في مشيه هو يقول‏:‏ نزلت عليكم العرب يا ناس فهاجت الناس وانزعجت النساء ورمحت الجعيدية والحرافيش وخطفوا ثياب النساء وأزرهن وما صادفوه من عمائم الرجال وغير ذلك واتصل ذلك بتربة المجاورين وباب الوزير والقرافة حتى أن بعض النساء مات تحت الأرجل ولم يكن لهذا الكلام صحة وإنما ذلك من مخترعات الأوباش لينالوا أغراضهم من الخطف بذلك‏.‏

وفيه ركب أكابر الفرنسيس وطافوا على أعيان البلد وهنوهم بالعيد وجاملهم الناس بالمدارة وفي أوائله وردت الأخبار بأن الأمراء المصرية القبليين تفرقوا من بعضهم فذهب مراد بك وآخرون الى نواحي ابراهيم بك ومنهم من ذهب الى ناحية أسوان والألفي عدى بجماعته الى ابر الشرقي‏.‏

وفي خامسه قدم الشيخ محمد الدواخلي من ناحية القرين متمرضًا وكان بصحبته الصاوي والفيومي متخلفين بالقرين وسبب تخلفهم أن كبير الفرنسيس لما ارتحل من الصالحية أرسل الى كتخدا الباشا والقاضي والجماعة الذين بصحبتهم يأمرهم بالحضور الى الصالحية لأنهم كانوا يباعدون عنه مرحلة فلما أرادوا ذلك بلغهم وقوف العرب بالطريق فخافوا من المرور‏.‏

فذهبوا الى العرين فأقاموا هناك واتخذ عسكر الفرنسيس جمالهم فأقاموا بمكانهم فتقلق هؤلاء الثلاثة وخافوا سوء العاقبة ففارقوهم وذهبوا للقرين وتخلف عنهم الفيومي فأقام مع كتخدا الباشا والقاضي فحصل للدواخلي توعك فحضر الى مصر وبقي رفيقاه في حيرة‏.‏

وفي سابعه أحضر الآغا رجلًا ورمى عنقه عند باب زويلة وشنق امرأة على شباك السبيل تجاه الباب والسبب في ذلك أن الفرنساوي حاكم خط الخليفة وجهة الركبية ويسي دلوي أحضر باعة الغلال بالرميلة وصادرهم ومنعهم من دفع معتاد الوالي فاجتمعوا وذهبوا الى كبير الفرنسيس الذي يقال له شيخ البلد وشكوا إليه وكان الأمير ذو الفقار حاضرًا وهو يسكن تلك الجهة فعضدهم وعرف شيخ البلد عن شكواهم فأرسل شيخ البلد الى دلوي فانتهره وأمره برد ما أخذه فأخبره أتباعه أن ذا الفقار هو الذي عضدهم وأنهى شكواهم الى كبيرهم فقام دلوي المذكور ودخل على ذي الفقار في بيته وسبه وشتمه بلغته وفزع عليه ليضربه فلما خرج من عنده قام وذهب الى كبيرهم وأخبره بفعل دلوي معه فأمر بإحضاره وحبسه بالقلعة‏.‏

ثم أخبر بعض الناس شيخ البلد أن التعرض الذي وقع من دلوي لباعة الغلة إنما هو بإغراء خادمه وعرفه أن خادمه المذكور مولع بامرأة رقاصة من الرميلة تأتيه بأشكالها هو وأضرابه وترقص لهم تلك المرأة في القهوة التي بخطهم ليلًا ونهارًا وتبيت معهم في البيت ويصبحون على حالهم فلما حبس أميرهم اختفوا فدلوا على الرجل والمرأة فقبضوا عليهما وفعلوا بهما ما ذكر ولا بأس بما حصل‏.‏

وفي ثامنه يوم الجمعة نودي في الأسواق بموكب كسوة الكعبة المشرفة من قراميدان والتنبيه باجتماع الوجاقات وأرباب الأشاير وخلافهم على العادة في عمل الموكب فلما أصبح يوم السبت اجتمع الناس في الأسواق وطريق المرور وجلسوا للفرجة فمروا بذلك وأمامها الوالي والمحتسب وعليهم القفاطين والبينشات وجميع الأشاير بطبولهم وزمورهم وكاساتهم ثم برطلمين كتخدا مستحفظان وأمامه نفر الينكجرية من المسلمين نحو المائتين أو أكثر وعدة كثيرة من نصارى الأروام بالأسلحة والملازمين بالبراقع وهو لابس فروة عظيمة ثم مواكب القلقات ثم موكب ناظر الكسوة وهو تابع مصطفى كتخدا الباشا وخلفه النوبة التركية فكانت هذه الركبة من أغرب المواكب وأعجب العجائب لما اشتملت عليه من اختلاف الأشكال وتنوع الأمثال واجتماع الملل وارتفاع السفل وكثرة الحشرات وعجائب المخلوقات واجتماع الأضداد ومخالفة الوضع المعتاد وكان نسيج الكسوة بدار مصطفى كتخدا المذكور وهو على خلاف العادة من نسجها بالقلعة‏.‏

وفي يوم الأربعاء ثالث عشره حضر عدة من الفرنسيس وهم راكبون الهجن ومعهم عدة بيارق وأْلام بعد الظهر وأخبروا أن الفرنسيس ملكوا قلعة يافا وبيدهم مكاتبة من ساري عسكرهم بالإخبار عما وقع فلما كان يوم الخميس واجتمع أرباب الديوان فقرأ عليهم تلك المراسلة بعد تعريبها وترصيفها على هذه الكيفية وهي عن لسان رؤساء الديوان الى الكافة وذلك بإلزامهم وأمرهم بذلك‏.‏

وصورتها‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم مالك الملك يفعل في ملكه ما يريد سبحان الحكم العدل الفاعل المختار ذي البطش الشديد هذه صورة تمليك الله سبحانه وتعالى جمهور الفرنساوية لبندر يافا من الأقطار الشامية نعرف أهل مصر وأقاليمها من سائر البرية أن العساكر الفرنساوية انتقلوا من غزة ثالث عشرين رمضان ووصلوا الى الرملة في الخامس والعشرين منه في أمن واطمئنان فشاهدوا عسكر أحمد باشا الجزار هاربين بسرعة قائلين الفرار الفرار‏.‏

ثم أن الفرنساوية وجدوا في الرملة ومدينة لد مقدارًا كبيرًا من مخازن البقسماط والشعير ورأوا فيها ألفًا وخمسمائة قربة مجهزة جهزها الجزار يسير بها الى إقليم مصر مسكن الفقراء والمساكين ومراده أن يتوجه إليها بأشرار العربان من سطح الجبل ولكن تقادير الله تفسد المكر والحيل قاصدًا سفك دماء الناس مثل عوائده الشامية وتجبره وظلمه مشهور لأنه تربية المماليك الظلمة المصرية ولم يعلم من خسافة عقله وسوء تدبيره أن الأمر لله كل شيء بقضائه وتدبيره وفي سادس عشرين شهر رمضان وصلت مقدمات الفرنساوية الى بندر يافا من الأراضي الشامية وأحاطوا بها وحاصروها من الجهة الشرقية والغربية وأرسلوا الى حاكمها وتحيل الجزار أن يسلمهم القلعة قبل أن يحل به وبعسكره الدمار فمن خسافة رأيه وسوء تدبيره سعى في هلاكه وتدميره ولم يرد لهم جواب وخالف قانون الحرب والصواب‏.‏

وفي أواخر ذلك اليوم السادس والعشرين تكاملت العساكر الفرنساوية على محاصرة يافا وصاروا كلهم مجتمعين وانقسموا على ثلاثة طوابير‏:‏ الطابور الأول توجه على طريق عكا بعيدًا عن يافا أربع ساعات وفي السابع والعشرين من الشهر المذكور أمر حضرة ساري عسكر الكبير بحفر خنادق حول السور لأجل أن يعملوا متاريس أمينة وحصارات متقنة حصينة لأنه وجد سور يافا ملآنًا بالمدافع الكثيرة ومشحونة بعسكر الجزار الغزيرة‏.‏

وفي تاسع عشرين الشهر لما قرب حفر الخندق الى السور مقدار مائة وخمسين خطوة أمر حضرة ساري عسكر المشار إليه أن ينصب المدافع على المتاريس وأن يضعوا أهوان القنبر بإحكام وتأسيس وأمر بنصب مدافع أخر بجانب البحر لمنع الخارجين إليهم من مراكب المينا‏.‏

لأنه وجد في المينا بعض مراكب أعدها عسكر الجزار للهروب ولا ينفع الهروب من القدر المكتوب ولما رأت عساكر الجزار الكائنون بالقلعة المحاصرون أن عسكر الفرنساوية قلائل في رأي العين للناظرين لمداراة الفرنساوية في الخنادق وخلف المتاريس غرهم الطمع فخرجوا لهم من القلعة مسرعين مهرولين وظنوا أنهم يغلبون الفرنساوية فهجم عليهم الفرنسيس وقتلوا منهم جملة كثيرة في تلك الواقعة وألجؤوهم للدخول ثانيًا في القلعة‏.‏

وفي يوم الخميس غاية شهر رمضان حصل عند ساري عسكر شفقة قلبية وخاف على أهل يافا من عسكره إذا دخلوا بالقهر والإكراه فأرسل إليهم مكتوبًا من رسول مضمونه‏:‏ لا إله إلا الله وحده لا شريك له بسم الله الرحمن الرحيم من حضرة ساري عسكر اسكندر برتيه كتخدا العسكر الفرنساوي الى حضرة حاكم يافا نخبركم أن حضرة ساري عسكر الكبير بونابارته أمرنا أن نعرفك في هذا الكتاب أن سبب حضوره الى هذا الطرف إخراج عسكر الجزار فقط من هذه البلدة لأنه تعدى بإرسال عسكره الى العريش ومرابطته فيها والحال أنها من إقليم مصر التي أنعم الله بها علينا فلا يناسبه الإقامة بالعريش لأنها ليست من أرضه فقد تعدى على ملك غيره ونعرفكم يا أهل يافا أن بندركم حاصرناه من جميع أطرافه وجهاته وربطناه بأنواع الحرب وآلات المدافع الكثيرة والجلل والقنابر وفي مقدار ساعتين ينقلب سوركم وتبطل آلاتكم وحروبكم ونخبركم أن حضرة ساري عسكر المشار إليه لمزيد رحمته وشفقته خصوصًا بالضعفاء من الرعية خاف عليكم من سطوة عسكره المحاربين إذا دخلوا عليكم بالقهر أهلكوكم أجمعين فلزمنا أننا نرسل لكم هذا الخطاب أمانًا كافيًا لأهل البلد والأغراب ولأجل ذلك أخر ضرب المدافع والقنابر الصاعدة عنكم ساعة فلكية واحدة وإني لكم لمن الناصحين وهذا آخر جواب الكتاب فجعلوا جوابنا حبس الرسول مخالفين للقوانين الحربية والشريعة المطهرة المححمدية وحالًا في الوقت والساعة هيج ساري عسكر واشتد غضبه على الجماعة وأمر بابتداء ضرب المدافع والقنابر الموجب للتدمير وبعد مضي زمان يسير تعطلت مدافع يافا المقابلة لمدافع المتاريس وانقلب عسكر الجزار وبال وتنكيس وفي وقت الظهر من هذا اليوم انخرق سور يافا وارتج له القوم ونقب من الجهة التي ضرب فيها المدافع من شدة النار ولا راد لقضاء الله ولا مدافع وفي الحال أمر حضرة ساري عسكر بالهجوم عليهم وفي أقل من ساعة ملكت الفرنساوية جميع البندر والأبراج ودار السيف في المحاربين واشتد بحر الحرب وهاج وحصل النهب فيها تلك الليلة‏.‏ وفي